الأحد، 9 سبتمبر 2012

مي زيادة.. أسطورة الحب والألم


may-zeada-150x109بقلم : الأستاذ والصحفي  ، محمد يحي ولد سيد محمد

الجديدة: “كل إمرىء يحيا حياتهُ وعليه أن يجد طريقهُ بين متشعب المسالك، وهو مسؤول عن كل عملٍ يأتيه ويتحمل نتاجه، إن فائدة وإن أذى. فالفتاة التي اعتادت الإنقياد لآراء والديها وعجزت عن إتيان عمل فردي تدفعها إليه إرادتها بالإشتراك مع ضميرها، ما هي إلا عبدة قد تصير في المستقبل “والدة” ولكنها لا تصير”أماً” وإن دعاها أبنائها بهذا الاسم. لأن في الأمومة معنى رفيعاً يسمو بالمرأة إلى الإشراف على النفوس والأفكار والعبدة لا تربي إلا عبيداً. ولا خير في رجالٍ ليس لهم من الرجولة غير ما يدعون، إن هم سادوا فعلوا بالقوة الوحشية وهي مظهر من مظاهر العبودية. أولئك سوف يكونون أبداً أسرى الأهواء وعبيد الصغائر الهابطة بهم إلى حيث لا يعلمون، إلى الفناء المعنوي، إلى الموت في الحياة.” مي زيادة وُلدت مي زيادة 1895 م. بالناصرة في فلسطين، واسمها الحقيقي ماري بنت الياس زيادة، صاحب جريدة “المحروسة”. واختارت لنفسها اسم “مي” الذي اشتهرت به في عالم الأدب، وهي من أشهر أديبات الشّرق وكاتبة موهوبة وخطيبة فسيحة الباع. تلقّت دروسها الابتدائية في مدرسة عينطوره في لبنان، وجاء بها والدها، وهي دون البلوغ، إلى مصر حيث عكفت على المطالعة والتحصيل والتضلع من مختلف العلوم والفنون. وعرفت من اللغات العربية والفرنسية والإنكليزية والإيطالية والألمانية والإسبانية، وأتقنتها، فاستكملت ثقافتها وتميزت بالذهن البارع والذوق السليم. كانت تنشر إنتاجها الأدبي في مجلات “الزهور” و”المقتطف” و”الهلال”، وجرائد “المحروسة” و”السياسة” و”الرسالة”. ولما سطع نجمها في سماء الأدب العربي، كان يجتمع بعد ظهر الثّلاثاء من كل أسبوع في دارها نخبةٌ من العلماء والشعراء وقادة الفكر من أهل مصر، وهم يخوضون في الحديث ويتبارون في مختلف البحوث العلمية والفنية. كانت مي توجه المناقشات والأحاديث بلفظها الرشيق وبيانها الناصع. وأصبحت دارها منتدًى أدبياً حافلاً، وكان أكثرهم تردداً عليها الشعراء اسماعيل صبري، ومصطفى صادق الرافعي، وولي الدين يكن، وأحمد شوقي، وخليل مطران، وشبلي شميل. كانت مي زيادة تميل إلى فني التصوير والموسيقى. تثيرها ذكرى قديمة أو رؤية لون أو منظر من المناظر أو حادثة من الحوادث فتوحي لها بقصة فتكتبها، وقد يكون إيحاءً بما تشعر به وتراه في حياتها، فتدفعها هذه الذكرى ويستنفرها هذا الإيحاء إلى كتابة القصة، وقد تستيقظ في الفجر لتؤلف القصة. ومن عادتها أن تضع تصميماً أولياً للموضوع، ثم تعود فتصوغ القصة وتتمّ بناءها، وإن الوقت الذي تستغرقه في كتابة القصة قد يكون ساعة أو أسابيع أو شهوراً حسب الظروف؛ وهي ترى أن ما من قصص خيالية مما يكتبه القاصون. وكل ما ألفته، هو واقعي كسائر ما تسمع به وتراه من حوادث الحياة. فالمؤلف القصصي لا يبدع من خياله ما ليس موجوداً، بل هو يستمد من الحياة وحوادثها، ويصور بقالبه الفني الحوادث التي وقعت للأفراد، وكل ما تكتبه هو تصوير لبعض جوانب الحياة، لا وهم من الأوهام لا نصيب لها من حقيقة الحياة. ظلت سنوات طويلة تغرس في القلوب أجمل الشعر وأرفع النثر، وتتهادى بروائعها ومؤلفاتها في دنيا الأدب، إلى أن عصفت المنية بروحها وهي في سن الكهولة المبكرة، وذلك في يوم الأحد التاسع عشر من شهر تشرين الأول 1941 م. في المعادي، بمصر، وتركت وراءها مكتبةً نادرةً لا تزال محفوظة بالقاهرة، وتراثاً أدبياً خالداً. لقيت في أواخر عهدها أشد العُنت والكيد من أنسبائها، فقد تآمروا عليها وأدخلوها مصحة للأمراض العقلية في بيروت، وبقيت فيها مدة سنتين، حتى أنقذها وأخرجها منها أحفاد الأمير عبد القادر الجزائري.

















ليست هناك تعليقات:

أوجفت وأطار في عمق التراث الإنساني

أوجفت وأطار في عمق التراث الإنساني د. دداه محمد الأمين الهادي دأبت موريتانيا على تنظيم مهرجانات سنوية باسم المدن الأثرية، و...