الأحد، 5 مايو 2013

إيليا أبو ماضي



                                                                                                                    بقلم الشاعر دداهي ولد الهادي
بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على النبي الكريم، وآله، وصحبه أجمعين. آمين
شاعرنا اليوم هو إيليا أبو ماضي، شاعر من شعراء المهجر، خلد اسمه بشاعريته المتوقدة، فانطبع عميقا في الوجدان العربي، ليضمن بطاقة العبور إلى الزمن الشعري اللامتناهي، وكيف لا يكون الأمر كذلك، والشاعر إيليا كان شاعرا متفائلا، حمل قيثارته مترنما، ومكسرا صخرة التشاؤم على رؤوس الحزانى، ومغالبا عوالم الغربة، التي اكفهرت بها سماء الأدب منذ بكائيات امرؤ القيس، ومن حملوا على عاتقهم بعده رسالة الأطلال، والتوق إلى الزمن الجميل.
كان إيليا أبا ماضي شاعرا مكتمل الشاعرية، ذا إنتاج كبير، سلس المعاني، متدفق الأحاسيس، جزل الألفاظ، ذائبا في بوح الطبيعة، يحمل للمتلقي رسالة فلسفية، ذات مضامين إنسانية، عنوانها : "ابتسم" ...
ويدفعنا الفضول المعرفي إلى التساؤل عن شخصية هذا الشاعر؟ .. وعن إبداعاته؟ ... ومن ثم نصل إلى استعراض حالات من النقد أبت إلا أن تنهال عليه وعلى شاعريته؟...
نبذة عن الشاعر:
ولد إيليا أبو ماضي سنة 1889 أو بعدها بعام حسب ما ترويه المصادر، وكان ميلاده في «المحيدثة» القريبة مِن بكفيا في لبنان،  وهو ينحدر من عائلة بسيطة الحال، لذلك لم يستطع أن يدرس في قريته سوى الدروس الابتدائية البسيطة، فدخل مدرسة المحيدثة القائمة في جوار الكنيسة ...
عندما اشتد به الفقر في لبنان، رحل إيليا إلى مصر عام 1902 بهدف التجارة مع عمه الذي كان يمتهن تجارة التبغ، وهناك التقى بأنطون الجميل، الذي كان قد أنشأ مع أمين تقي الدين مجلة "الزهور" فأعجب بذكائه وعصاميته إعجابا شديدا ودعاه إلى الكتابة بالمجلة، فنشرأولى قصائده بالمجلة، وتوالى نشر أعماله، إلى أن جمع بواكير شعره في ديوان أطلق عليه اسم " تذكار الماضي " وقد صدر في عام 1911م عن المطبعة المصرية، وكان أبو ماضي إذ ذاك يبلغ من العمر 22 عاما...
فيما بعد سيكتب إيليا أبو ماضي في الموضوعات السياسية فيلاحق بشدة، ما جعله يهاجر للولايات المتحدة سنة 1912، و في  نيويورك وفي "بروكلين"، شارك في تأسيس الرابطة القلمية في الولايات المتحدة الأمريكية مع جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة، ونسيب عريضة، ورشيد أيوب، وعبد المسيح حداد، وندرة حداد ...
و في سنة 1946 صدر لإيليا ديوانه «الخمائل»، و ظلّ مقيماً بنيويورك إلي أن توُفّي سنة 1957، وله خمسة دواوين هي "تذكار الماضي، وديوان الجداول، وديوان الخمائل، وديوان تبر وتراب، وديوان إيليا أبي ماضي"...
ويطول الحديث عن أبي ماضي، وخشية أن يستغرق هذه العجالة نعود لنقدم نماذج من شعره ...
نماذج من شعره:
بدأ إيليا أبو ماضي بخالدته، التي استهلها، وأخلصها كلها للشك، والظنون والتساءل، ألا وهي "الطلاسم" حيث يقول:
جئت، لا أعلم من أين، ولكنّي أتيت
ولقد أبصرت قدّامي طريقا فمشيت
وسأبقى ماشيا إن شئت هذا أم أبيت
كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟
لست أدري!
أجديد أم قديم أنا في هذا الوجود
هل أنا حرّ طليق أم أسير في قيود
هل أنا قائد نفسي في حياتي أم مقود
أتمنّى أنّني أدري ولكن...
لست أدري!

تلك قصيدة إيليا المعروفة باللاأدرية، والتي سببت له الكثير من النقد اللاذع، ممن اعتبروا تساؤله يعبر عن جهل لا عن تجاهل، ومنهم ناقد يسمى عيسى الناعوري، وثمة من ردوا عليه فكتبوا "طلاسم الطلاسم"...
وتأكيدا على طابع التفاؤل في شعر إيليا ارتأينا أن نورد بعض مقاطع قصيدته "قال السماء كئيبة وتجهما" حيث يقول:
قال السماء كئيبة ! وتجهما
قلت: ابتسم يكفي التجهم في السما !
قال: الصبا ولى! فقلت له: ابتــسم
لن يرجع الأسف الصبا المتصرما !!
قال: التي كانت سمائي في الهوى
صارت لنفسي في الغرام جــهنما
خانت عــــهودي بعدما ملكـتها
قلبي , فكيف أطيق أن أتبســما !
ومنها قوله:
قال: العدى حولي علت صيحاتهم
أَأُسر و الأعداء حولي في الحمى ؟
قلت: ابتسم, لم يطلبوك بذمهم
لو لم تكن منهم أجل و أعظما !
قال: المواسم قد بدت أعلامها
و تعرضت لي في الملابس و الدمى
و علي للأحباب فرض لازم
لكن كفي ليس تملك درهما
قلت: ابتسم, يكفيك أنك لم تزل
حيا, و لست من الأحبة معدما!
قال: الليالي جرعتني علقما
قلت: ابتسم و لئن جرعت العلقما
فلعل غيرك إن رآك مرنما
طرح الكآبة جانبا و ترنما
أتُراك تغنم بالتبرم درهما
أم أنت تخسر بالبشاشة مغنما ؟
يا صاح, لا خطر على شفتيك أن
تتثلما, و الوجه أن يتحطما
فاضحك فإن الشهب تضحك و الدجى
متلاطم, و لذا نحب الأنجما !
قال: البشاشة ليس تسعد كائنا
يأتي إلى الدنيا و يذهب مرغما
قلت ابتسم مادام بينك و الردى
شبر, فإنك بعد لن تتبس

ويحافظ إيليا في كل روائعه على بسمات الطبيعة ناصعة البياض، ويطلق عصافيره المزقزقة، ويكسي اخضرار ربا مهجره اخضرارا من سندس، واستبرق، ويحرر وشي الطبيعة من قيوده، فيصب في المشاعر، والأحاسيس خمرة أيلول – ذلك الشهر الشاعر، يقول في قصيدته أيلول:
ألحسن حولك في الوهاد و في الذرى
فانظر ، ألست ترى الجمال كما أرى ؟
" أيلول " يمشي في الحقول و في الربى
و الأرض في أيلول أحسن منظرا
فالنور سحر دافق ، و الماء شعر
رائق ، و العطر أنفاس الثرى
لا تحسب الأنهار ماء راقصا
هذي أغانيه استحالت أنهرا
وانظر إلى الأشجار تخلع أخضرا
عنها ، و تلبس أحمرا أو أصفرا
تعرى و تكسى في أوان واحد
و الفنّ في ما ترتديه و في العرا
فكأنّما نار هناك خفيّة
تنحلّ حين تهمّ أن تستشعرا
و تذوب أصباغا كألوان الضحى
و تموج ألحانا و تسرى عنبرا
صور و أطياف تلوح خفيفة
و كأنّها صور نراها في الكرى
لله من " أيلول " شهر ساحر
سبق الشّهور و إن أتى متأخّرا
من ذا يدبّج أو يحوك كوشيه
أو من يصوّر مثلما قد صوّرا ؟
لمست أصابعه السّماء فوجهها
ضاح ، و مرّ على التراب فنوّرا
ردّ الجلال إلى الحياة وردّني
من أرض نيويورك إلى أمّ القرى
ويستمر إيليا على نهجه المؤمن بأن السعادة في النفس، كما الجمال، وليست بعيدة ونائية كما يتصورها المتشائمون، ولذا تنضح قصيدته فلسفة الحياة بالحث على الأخذ بأسباب السعادة، والابتعاد عن الظلام الدامس، المعشش في أغوار النفوس الحزينة، يقول:
أيّهذا الشّاكي وما بك داء
كيف تغدو اذا غدوت عليلا؟
انّ شرّ الجناة في الأرض نفس
تتوقّى، قبل الرّحيل ، الرّحيلا
وترى الشّوك في الورود ، وتعمى
أن ترى فوقها النّدى إكليلا
هو عبء على الحياة ثقيل
من يظنّ الحياة عبئا ثقيلا
والذي نفسه بغير جمال
لا يرى في الوجود شيئا جميلا
ليس أشقى مّمن يرى العيش مرا
ويظنّ اللّذات فيه فضولا
وتصل نشوة الاحساس بالسعادة أوجها، حين ينبه الشاعر إيليا دعاة الشقاء إلى خطر الأوهام، والاستكانة للدموع، فيقول:
ل لقوم يستنزفون المآقي
هل شفيتم مع البكاء غليلا؟
ما أتينا إلى الحياة لنشقى
فأريحوا ، أهل العقول، العقولا
كلّ من يجمع الهموم عليه
أخذته الهموم أخذا وبيلا
وفي قصيدته الفراشة المحتضرة يتحسس إيليا هموم الفراشة، وينعى على الإنسان الجدب العاطفي، وبلادة مشاعره تجاه صور الحياة الناطقة، وأحاديث الطبيعة ذات البعد الجمالي، فكيف لا يفهم الإنسان نجوى الفراشة المحتضرة، ولندع إيليا يعبر عما استشفته مرآته من شكوى الفراشة عند شباكه يقول:
لو كان  لي  غير  قلبي  عند    مرآك        لما=أضاف    إلى    بلواه       بلواك
فيم  ارتجاجك  هل  في  الجوّ    زلزلة        أم  أنت  هاربة   من   وجه   فتّاك؟
وكم  تدروين   حول   البيت     حائرة        بنت الربى ليس مأوى  الناس    مأواك
قالوا  فراشة  حقل   لا   غناء     بها        ما افقر  الناس  في  عيني    وأغناك!
سماء   غاوية،    أطوار      شاعرة،        على     زهادة     عبّاد       ونسّاك
طغراء    مملكة    وشّى      حواشيها        من  ذوّب   الشمس   ألوانا   ووشّاك
رأيت   أحلام   أهل   الحبّ    كلّهم        لّما   مثلت   أمامي   عند     شبّاكي
من   نائمين    على    ذلّ    وتربة        ومن    عظام    وأشراف       وملاك
وقصّ  شكواك  قلبي   قصة     عجبا        من قبل  أن  سمعت  أذناي    شكواك
أليس  فيك  من   العشّاق     حيرتهم؟        فكيف  لا   يفهم   العشّاق     نجواك؟
وبرغم أن إيليا أبو ماضي ابن الأسرة المتواضعة، وتاجر التبغ الهارب لنيويورك من لهيب الفقر في وطنه قد قاوم كل الظروف، وتجاسر على قيود الحياة مكابرا، وعازفا لحن الحياة، ليقدم للقراء والبشرية جمعاء مادة باعثة على الأمل، والتفاؤل، فإن من البشر من ردوا هديته، وانتقدوه، صابين جام غضبهم على شخصه، وشعره.
الانتقادات التي وجهت لشعر إيليا أبي ماضي
إذا كان رفيق درب إيليا أبي ماضي جبران خليل جبران قال عنه مادحا: (( تجد في شعر أبي ماضي كؤوساً من تلكَ الخمرة التي إن ارتشفتـَها تظل ظمآناً..!!))، فقد انتقده طه حسين في كتابه "حديث الأربعاء" نقدا لاذعا، فقال في: "قصيدة الطين إنها من أردأ الشعر العربي قافية، وإنباء عن السمع والذوق، ولعل عنوانها كان يحتاج إلى شيء من الذوق. فالشاعر اختار الدال الساكنة قافية لهذه القصيدة، وسكون الدال ثقيل، ينقطع عنده النفس، فإذ ا طال وتكرر في قصيدة غير قصيرة، ضاق به السامع ضيقاً شديداً. ولكن الشاعر يضيف إلى هذا الثقل الطبيعي أثقالاً أخرى فانظر إليه كيف يضيف سكوناً إلى سكون، وانقطاع نفس إلى انقطاع نفس في هذا البيت:

"لكَ في عالم النهار أمانٌ = ورؤىً والظلامُ فوقك مُمتدْ"
وبعد هذا النقد بسنوات عديدة، أثيرت حول قصيدة الطين ضجة كبيرة وطريفة لسنا ندري على وجه التحقيق هل تناهت إلى أسماع عميد الأدب أم لا؟!

وذلك أن الباحث الأردني روكس بن زائد العزيزي قد خرج على الملأ عام 1954 بقصة يقول فيها:

أنه اكتشف أن قصيدة الطين مسروقة المعاني، سطا بها إيليا أبو ماضي على قصيدة لشاعر بدوي مغمور، عاش في البادية الأردنية القرن الماضي، وأن هذا الشاعر يدعى علي الرميثي!
وقد صب رجال الدين جام غضبهم على إيليا أبي ماضي، ومنهم من قال أنه في جهنم، ، وهو حطب لها لأنه لم يعرف من أين أتى، وإلى أين ينته، كما هو حال «الشيخ» عبد الحميد المهاجر، ذائع الصيت شيعيا.
وكان العلامة عايض القرني عرض لشيء من شعر أبي ماضي، فوصف طلاسمه باللعينة، معتبرا أنه من شعراء أساؤوا للشريعة بطابع التساؤل المبالغ فيه.
وفي النهاية لا يزال طائر إيليا أبي ماضي مغردا، صداحا ملء فيه، وبلابله على عهدها القديم تترنح فوق الأغصان الحانية، جاعلة منه أميرا من أمراء القوافي، استحق لقب "شاعر الطبيعة والعذوبة"، وقاوم الزمن بسيف بتار، قطع به شوطا كبيرا في رحلة البقاء على الشفتين، وفي أن يجد لصوته الصداح صدى، خاصة في زمن تثار فيه دائما قضية الانسانية، والمساواة، وهاتان اللفظتان حضرتا في القاموس الدلالي لشعر إيليا دائما.
ودمتم بخير.

ليست هناك تعليقات:

أوجفت وأطار في عمق التراث الإنساني

أوجفت وأطار في عمق التراث الإنساني د. دداه محمد الأمين الهادي دأبت موريتانيا على تنظيم مهرجانات سنوية باسم المدن الأثرية، و...